ابن كثير

287

البداية والنهاية

تخالفه فأنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى ، ولا أزهد في الدنيا ، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه . فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة ، فأما الجماعة فمعنا هي ، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلا أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله ؟ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به ، ولكنه آوى قتلته ، فيدفعهم إلينا حتى نقتلهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة . فقال له شبيث بن ربعي : أنشدك الله يا معاوية ، لو تمكنت من عمار أكنت قاتله بعثمان ؟ قال معاوية : لو تمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان ، ولكني كنت قتلته بغلام ( 1 ) عثمان . فقال له شبيث بن ربعي : وإله الأرض والسماء لا تصل إلى قتل عمار حتى تندر الرؤوس عن كواهلها ، ويضيق فضاء الأرض ورحبها عليك . فقال معاوية لو قد كان ذلك كانت عليك أضيق . وخرج القوم من بين يديه فذهبوا إلى علي فأخبروه بما قال . وبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري ، وشرحبيل بن السمط ، ومعن بن يزيد بن الا خمس إلى علي ، فدخلوا عليه فبدأ حبيب فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا عمل بكتاب الله وثبت ( 2 ) لأمر الله ، فاستثقلتم حياته ، واستبطأتم وفاته ، فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتله إن زعمت أنك لم تقتله ، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم ، فيولي الناس أمرهم من جمع عليهم رأيهم فقال له علي : وما أنت لا أم لك ، وهذا الامر وهذا العزل ، فاسكت فإنك لست هناك ولا بأهل لذاك ، فقال له حبيب : أما والله لتريني حيث تكره ، فقال له علي : وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك لا أبقى الله عليك إن أبقيت ، أذهب فصعد وصوب ما بدا لك . ثم ذكر أهل السير كلاما طويلا جرى بينهم وبين علي ( 3 ) ، وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر فإن في مطاوي ذلك الكلام من علي ما ينتقض فيه معاوية وأباه ، وإنهم إنما دخلوا في الاسلام ولم يزالا في تردد فيه وغير ذلك وإنه قال في غبون ذلك : لا أقول إن عثمان قتل مظلوما ولا ظالما . فقالوا : نحن نبرأ ممن لم يقل إن عثمان قتل مظلوما ، وخرجوا من عنده ، فقال علي : * ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) * [ النمل : 80 ] ثم قال لأصحابه : لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم وطاعة نبيكم ، وهذا عندي لا يصح عن علي رضي الله عنه . وروى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد باسناده أن قراء أهل العراق وقراء أهل الشام عسكروا ناحية وكانوا قريبا من ثلاثين ألفا ، وأن جماعة من قراء العراق منهم عبيدة السلماني ، وعلقمة بن قيس ، وعامر بن عبد قيس ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود ، وغيرهم جاؤوا معاوية فقالوا له : ما تطلب ؟ قال : أطلب بدم عثمان قالوا : فمن تطلب به ؟ قال : عليا ، قالوا : أهو

--> ( 1 ) بناتل مولى عثمان ( قاله الطبري والكامل ) . ( 2 ) في الطبري 6 / 4 : وينيب . وفي فتوح ابن الأعثم 3 / 27 ينتهي إلى أمر الله . ( 3 ) انظر تفاصيل ذلك في الطبري 6 / 4 - 5 والكامل 3 / 292 - 293 وفتوح ابن الأعثم 3 / 27 - 29 .